أبي الفرج الأصفهاني

396

الأغاني

فأسكتت [ 1 ] عريب ، ثم قالت لأبي عيسى : أحب يا بنيّ [ 2 ] - فديتك - أن تبعث إلى عثعث فتجيئني به ، فوجّه إليه ، فحضر وجلس ، فلما اطمأن وشرب وغنّى ، قالت له : يا أبا دليجة أو تذكر صوت زبير بن دحمان عندي وأنت حاضر ، فسألته أن يطرحه عليك ؟ قال : وهل تنسى العذراء أبا عذرها [ 3 ] ، نعم ، واللَّه إني لذاكره حتّى كأننا أمس افترقنا عنه . قالت : فغنّه ، فاندفع فغنّى الصوت الَّذي ادّعته شارية حتى استوفاه / وتضاحكت عريب ، ثم قالت لجواريّها : خذوا في الحقّ ، ودعونا من الباطل ، وغنّوا الغناء القديم . فغنّت بدعة وسائر جواري عريب ، وخجلت شارية وأطرقت وظهر الانكسار فيها ، ولم تنتفع هي يومئذ بنفسها ، ولا أحد من جواريّها ولا متعصّبيها أيضا بأنفسهم . غناؤه في مجلس المتوكل قال : وحدّثني يحيى بن حمدون قال : قال لي عثعث الأسود : دخلت يوما على المتوكَّل وهو مصطبح وابن المارقيّ يغنّيه قوله : أقاتلتي بالجيد والقدّ والخدّ وباللون في وجه أرقّ من الورد وهو على البركة جالس ، قد طرب واستعاده الصوت مرارا وأقبل عليه ، فجلست ساعة ثم قمت لأبول ، فصنعت هزجا في شعر البحتريّ الَّذي يصف فيه البركة : صوت إذا النجوم تراءت في جوانبها ليلا حسبت سماء ركَّبت فيها وإن علتها الصّبا أبدت لها حبكا مثل الجواشن مصقولا حواشيها [ 4 ] وزادها زينة من بعد زينتها أن اسمه يوم يدعى من أساميها فما سكت ابن المارقي سكوتا مستوجبا حتى اندفعت أغنّي هذا الصوت ، فأقبل عليّ وقال لي : أحسنت وحياتي ، أعد ، فأعدت ، فشرب قدحا ، ولم يزل يستعيدنيه ويشرب حتى اتكأ ، ثم قال للفتح : بحياتي ادفع إليه الساعة ألف دينار وخلعة تامّة واحمله على شهري [ 5 ] فاره بسرجه ولجامه ، فانصرفت بذلك أجمع . نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء صوت أعاذلتي أكثرت جهلا من العذل على غير شيء من ملامي ولا عذلي

--> [ 1 ] يقال : تكلم ثم سكت بغير ألف ، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل أسكت . [ 2 ] هكذا في ج . وفي ب ، س : « بأبي فديتك » . [ 3 ] العذرة بالضم : البكارة ، وهو أبو عذرها وأبو عذرتها : إذا كان قد افتضها . [ 4 ] الصبا : الريح تهب من مطلع الشمس . والحبك : التكسر الَّذي يبدو على الماء إذا مرت به الريح . والجواشن : جمع جوشن ، وهو الدرع . [ 5 ] الشهرية : ضرب من البراذين . الفاره : الجيّد السير .